حسن حنفي

358

من العقيدة إلى الثورة

فالعادة تأكيد لوجوب الشرع والعقل وليست بديلا عنهما . الشرع والعقل تأكيد للطبيعة ، والطبيعة تأكيد للشرع والعقل « 43 » . ولكن يظل العقل هو الأساس الّذي ينبنى عليه النقل والّذي تؤكده الطبيعة « 44 » . فالاستحقاق لنفع الانسان ، إثابة المطيع وعقابا للعاصي ، به صلاح الانسان ، والله لا يفعل الا الصلاح ، وهو منزه عن جلب النفع لنفسه ودفع الضرر عن ذاته . وإذا كان الانسان قادرا على ادراك الحسن والقبح في الافعال وقادرا على الاختيار بينها فالاستحقاق واجب عقلي نتيجة لحرية الاختيار

--> ( 43 ) الوعد حق العباد عليه تعالى ، وهو لا يتنافى من أنه لا حق لاحد عليه الا أن لامكان غير الجواز . الاستحقاق المنفى هو الاستحقاق عقلا لا الاستحقاق وعدا أو وعيدا في مجارى العادات والعقول ، حاشية الكلنبويّ ص 119 - 201 ، حاشية المرجاني ص 201 - 202 ، الواجب في حق الله غير معقول على الاطلاق والاستحقاق للرب على العبد غير مستحيل عمله ، النهاية ص 382 - 384 . ( 44 ) وأما الاستدلال على أنه تعالى لا يفعل القبيح بالسمع فبعيد لان ثبوت السمع دلالة هو بعد تقدم العلم بحكمته لأنه كلام أو يتعلق بكلام الاجماع وغيره ، وصورة الصدق والكذب في ذلك سواء . فلا يعلم تميز الصدق فيه عن الكذب الا بما يقترن به من العلم بحال فاعله . وهو مخصوص من بين سائر الأدلة بأن يعتبر فيها حال الفاعل . ويلحق بباب القول في المعجزات التي ما لم يعرف حال فاعلها لا يعلم صدق الرسل . وكما لا يصح الاستدلال بالقرآن على هذه المسألة فكذلك ما يلزمهم من الأمور التي لو لم يتقدم العلم بحكمته تعالى كنا لا نعرف ذلك . وهذا نحو ما نلزمهم من تجويز ظهور المعجزات على الكذابين وأنه لا يوثق بوعده ووعيده وبالشرائع وأنه يجوز أن يدعونا إلى ما هو ضلال ، وأن يعاقب الصالحين ويثيب الفراعنة لان كل هذه الأمور نوردها عليهم علما منا بأنهم لا يرتكبونها . ولو ارتكبها مرتكب لاحتجنا إلى الاستدلال بما تقدم . وكذلك ألزمنا إياهم أن لا يكون جل وعز إلها حكيما تليق به العبادة حكمه ما تقدم لأنه ما لم تعرفه عدله وحكمته لا تعلم حسن العبادة وإذا لم تعلم أنه منعم يستحق الشكر فكيف تعلم أنه يستحق العبادة وهي غاية الشكر فلا تستحق الا على غاية النعمة ، وكل هذه الوجوه يوردها شيوخنا وغير ذلك من الآيات التي في القرآن من ضروب الالزامات اقتدارا منهم على الكلام وبيانا لهم أنهم كما خرجوا عن قضية العقل ، فكذلك عن طريقة موجبات السمع ، وما عرف من دين النبي ضرورة . فهذا طريق القول فيه ، المحيط ص 259 ، أنظر أيضا الباب الثالث ، الانسان المتعين ، الفصل الثامن ، العقل الغائى ، رابعا ، العقل والنقل .